الرئيسية
عاجل
متابعات دولية
اقتصاد
سياحة
رياضة
دراسات وأبحاث
حقوق وحريات
مقالات
تكنولوجيا
هشتاج
اجراس يوتيوب
57
كيف يصنع المؤثرون وعينا في عصر الخوارزميات؟
اقتصاد التأثير وضرورة صناعة الوعي الانتباه هو العملة الجديدة اليوم، ومن يملكه يملك التأثير. وفي سباق المنصات، برز المؤثرون بوصفهم الأقدر على توجيهه. ومن هنا تولدت أنماط جديدة من التأثير؛ فقد تحول المشاهير إلى قوة فاعلة توجه السلوك والاهتمام اليومي. ورغم ما تحمله هذه الظاهرة من جوانب إيجابية، فإنها تستدعي وقفة نقدية جادة. مما يزيد المشهد تعقيدا أن كل ضغطة إعجاب، وكل مشاركة، وكل تعليق، تسهم في رسم خرائط جديدة للوعي الإنساني، وتفتح أمام الخوارزميات مسارات تقدم محتوى أكثر قربا من ذوق المستخدم الشخصي لقد أصبحت حياتنا اليومية مشبعة بحضور المؤثرين، إلى درجة باتت معها الحدود بين الواقع وما يعرض على الشاشات ضبابية؛ بين الذات وصورتها، وبين الحقيقة وتمثيلها. ويجري هذا التحول بوتيرة متسارعة تجعل التجربة اليومية امتدادا مباشرا للساحة الرقمية. هنا انتقلت السلطة والقوة تدريجيا من المؤسسات التقليدية، كالإعلام والتعليم والدولة، إلى فضاءات تشاركية مفتوحة تصنع جماهيرها، وتعيد إنتاج القيم من خلال تفاعل فوري ومباشر. هذه الظاهرة ليست سطحية كما قد يظن البعض، بل تتحرك تحتها طبقات كثيفة من الدلالات النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية. فالإنسان في هذا العصر بات يعيش في حالة مراقبة ذاتية شبه دائمة، يسعى فيها إلى أن يكون مقبولا وحاضرا ومرئيا، كأن الوجود ذاته لم يعد مرتبطا بعمق التجربة الإنسانية بقدر ارتباطه بمدى حضوره في الفضاء الرقمي. فالسلطة هنا لا تمارس بالقوة المباشرة، بل من خلال الإعجاب والمتابعة والتفاعل، ومن خلال القدرة على جذب الانتباه والسيطرة على المشاعر. ومما يزيد المشهد تعقيدا أن كل ضغطة إعجاب، وكل مشاركة، وكل تعليق، تسهم في رسم خرائط جديدة للوعي الإنساني، وتفتح أمام الخوارزميات مسارات تقدم محتوى أكثر قربا من ذوق المستخدم الشخصي. تبدو هذه العملية في ظاهرها تلبية للاهتمامات الفردية، لكن في عمقها إعادة ترتيب غير محسوسة لمعادلات التأثير. ويكشف هذا التحول عن أزمة هوية يعيشها الإنسان المعاصر؛ فهو في سعيه إلى القبول الرقمي يشكل شخصيته وفق توقعات لا يدرك في كثير من الأحيان مصدرها الحقيقي. وتتزامن هذه الأزمة مع شعور عميق بالنقص، إذ تقارن الأجيال الشابة حياتها اليومية بما تعرضه النماذج اللامعة في الفضاء الرقمي، فتنشأ حالة من الاغتراب النفسي تجعل الفرد يشعر أن الواقع أقل بريقا من الصورة الإلكترونية المصنوعة. من الجانب النفسي، يكشف علم النفس الرقمي أن الدماغ البشري يستجيب للصور السريعة والمحتوى العاطفي استجابة مضاعفة، وأن التفاعلات الرقمية تحفز مراكز المكافأة في الدماغ بطريقة تجعل المتابع يشعر بالإشباع اللحظي، مما يزيد من تعلقه بالمؤثرين وهذا الاغتراب لا يقتصر على المستوى الشخصي فحسب، بل يمتد ليخلق فجوة اجتماعية بين قيم راسخة نشأت عليها المجتمعات وقيم جديدة تتشكل في بيئات افتراضية. ويلاحظ كذلك أن المؤثرين يتنوعون في أهدافهم وأساليبهم وطبيعة حضورهم. فمنهم من يقدم محتوى معرفيا أو تنمويا أو تربويا يسهم في رفع الوعي العام، ومنهم من يعتمد على الترفيه أو الاستعراض أو الجدل المصطنع لجذب الانتباه، ومنهم من يستثمر التأثير لتحقيق أغراض تجارية، بحيث تتحول العلاقة بين المتابع والمؤثر إلى علاقة استهلاكية ذات اتجاه واحد. ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بينهم أنهم جميعا جزء من اقتصاد ضخم يعرف باقتصاد المؤثرين. ولعل أخطر ما في هذا المشهد هو التداخل بين الحقيقة والتمثيل؛ فالصور التي تنشر والقصص التي تروى ليست دائما انعكاسا صادقا للحياة الواقعية، بل غالبا ما تقدم بعد عمليات تنقية وتعديل وتنسيق تظهر الحياة بصورة مثالية بعيدة عن طبيعتها بكل تحدياتها وتقلباتها. هكذا يجد الإنسان نفسه متأثرا بما هو مصنوع أكثر مما هو حقيقي، ويقارن ذاته بمعايير لا وجود لها في الواقع. ومن الجانب النفسي، يكشف علم النفس الرقمي أن الدماغ البشري يستجيب للصور السريعة والمحتوى العاطفي استجابة مضاعفة، وأن التفاعلات الرقمية تحفز مراكز المكافأة في الدماغ بطريقة تجعل المتابع يشعر بالإشباع اللحظي، مما يزيد من تعلقه بالمؤثرين. هل سيظل الإنسان قادرا على الحفاظ على دوره في تشكيل الوعي، أم ستتولى خوارزميات متقدمة صناعة نماذج مؤثرة أكثر جاذبية من البشر أنفسهم؟ وفي المقابل، يشعر المؤثر نفسه بضغوط مستمرة للحفاظ على حضوره ومكانته، فيعيش في دائرة لا تنتهي من إنتاج المحتوى، مما يخلق حالة من الإرهاق الخفي الذي لا يظهر للمتابعين. وتكشف الظاهرة أيضا عن بعد سياسي خفي؛ فالمؤثرون أصبحوا يمتلكون قدرة على التأثير في الرأي العام قد تتجاوز أحيانا قدرة المؤسسات الإعلامية التقليدية، وهو ما جعل الحكومات والمنظمات السياسية والاقتصادية تتجه إلى استثمارهم في حملات التوعية أو التسويق أو حتى التوجيه السياسي، إدراكا منها أن انتشار الرسائل عبر المؤثرين أقوى تأثيرا وأسرع وصولا وأكثر قبولا لدى الجمهور، وخاصة الشباب. ومع دخول تقنيات المؤثرين الافتراضيين والوجوه المصنوعة بالذكاء الاصطناعي، باتت الحدود بين الإنسان والآلة أكثر ضبابية، مما يطرح أسئلة جديدة حول مستقبل التأثير: هل سيظل الإنسان قادرا على الحفاظ على دوره في تشكيل الوعي، أم ستتولى خوارزميات متقدمة صناعة نماذج مؤثرة أكثر جاذبية من البشر أنفسهم؟ ومن الجانب الاجتماعي، نشهد تحولا جذريا في مفهوم العلاقة الإنسانية؛ فالتفاعل مع المؤثرين أصبح بديلا رمزيا عن العلاقات الحقيقية، حيث يشعر المتابع بأنه يعرف المؤثر معرفة شخصية، رغم أن العلاقة لا تتعدى كونها علاقة أحادية الاتجاه. وهذا النمط من العلاقات يولد شعورا بالارتباط الزائف، وهو ارتباط قد يخفف من حدة الشعور بالوحدة عند البعض، لكنه يعمق العزلة ويتسبب في تآكل العلاقات الواقعية على المدى البعيد. المتلقي، شابا كان أو بالغا، يحتاج إلى التمييز بين المحتوى الصادق الذي يحمل نية حقيقية في الإفادة، وبين المحتوى الذي تقف وراءه مصالح تجارية أو دعائية كما تشير المعطيات إلى أن اقتصاد صناع المحتوى، الذي يضم المؤثرين والمدونين والناشرين الرقميين، في توسع مطرد. فمنذ تسارع النمو خلال فترة الجائحة، تجاوز عدد المؤثرين عالميا 50 مليون شخص، بينهم مئات الآلاف يصنفون مؤثرين محترفين يمتلك كل منهم أكثر من 100 ألف متابع. ومن المتوقع أن يستمر هذا العدد في الارتفاع، مما يعني أن تأثيرهم سيزداد تبعا لذلك. ومن المهم إدراك أن التأثير الرقمي لا ينحصر في المدن الكبرى أو المجتمعات المتقدمة، بل يمتد إلى الأرياف والمناطق الفقيرة أيضا، مما يعكس مدى انتشار التقنية وقدرتها على تجاوز الحواجز. ورغم كل ما يثار حول المخاطر المرتبطة بالمحتوى الذي يقدمه بعض المؤثرين، فإن من الضروري الإشارة إلى أن هؤلاء ليسوا بالضرورة مصدرا للضرر أو خطرا على الشباب بمجملهم. فكثير من المؤثرين يستخدمون منصاتهم لنشر رسائل إيجابية وقيمية، كالدعوة إلى تقبل الذات، وتعزيز الوعي بالصحة النفسية، والدفاع عن قضايا العدالة الاجتماعية. ومع ذلك، يبقى من المهم التعامل بوعي نقدي مع كل ما يعرض عبر هذه المنصات. فالمتلقي، شابا كان أو بالغا، يحتاج إلى التمييز بين المحتوى الصادق الذي يحمل نية حقيقية في الإفادة، وبين المحتوى الذي تقف وراءه مصالح تجارية أو دعائية. ولعل من أبرز ما يجب التذكير به أن كثيرا من المؤثرين يتقاضون مبالغ مالية مقابل الترويج لمنتجات معينة، ما يجعل جزءا من محتواهم غير معبر تماما عن قناعاتهم الشخصية. ولا تقع المسؤولية على الشباب وحدهم، بل تمتد لتشمل الأسرة والمؤسسات التربوية والمعلمين. فترسيخ مهارات الثقافة الإعلامية لدى الناشئة بات ضرورة لا رفاهية، إذ تمكنهم هذه المهارات من قراءة المحتوى بوعي، وفهم ما وراءه، وتقييم رسائله دون الانجراف وراء بريق الصور والفيديوهات المنمقة. ومن خلال التدريب على التفكير النقدي، يمكن مساعدة الشباب على بناء موقف مستقل وواع تجاه ما يستهلكونه من مواد رقمية، وعلى اتخاذ قرارات رشيدة بشأن ما يتفاعلون معه وما يستبعدونه. إن سلطة المؤثرين ظاهرة إنسانية وثقافية مركبة، تحمل إمكانيات كبيرة للإبداع والتواصل والإلهام، وفي الوقت نفسه تحمل مخاطر حقيقية إذا تركت دون وعي أو تنظيم أو توجيه ويتطلب الأمر أيضا إعادة قراءة مفهوم القدوة في العصر الحديث. فقديما كانت القدوة ترتبط بالحكمة والمعرفة والخبرة والقيم الراسخة، أما اليوم فقد بات حضور القدوة الرقمية مرتبطا بالشهرة والظهور وعدد المتابعين، وهو تحول يعكس أزمة قيمية تحتاج إلى مراجعة عميقة. فليس كل ذي حضور مؤثرا، وليس كل مؤثر قدوة تستحق أن تتبع. والوعي بهذه الحقيقة شرط أساسي لبناء علاقة صحية بين الإنسان والفضاء الرقمي. إن سلطة المؤثرين ظاهرة إنسانية وثقافية مركبة، تحمل إمكانيات كبيرة للإبداع والتواصل والإلهام، وفي الوقت نفسه تحمل مخاطر حقيقية إذا تركت دون وعي أو تنظيم أو توجيه. ستظل أنماط التأثير الجديدة جزءا من مستقبلنا، ولكن يبقى السؤال: كيف نجعل من هذه السلطة قوة للبناء لا للهدم؟ وكيف نعيد للإنسان مكانته الأساسية بوصفه صانعا للمعنى، لا متلقيا سلبيا يتقلب بين موجات التأثير؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي جوهر الوعي في العصر الرقمي، وهي التحدي الأكبر الذي سيواجه الفرد والمجتمع والدولة في العقود القادمة، حيث يصبح الوعي نفسه ساحة للتنافس، والصورة وسيلة للسلطة، والإنسان في قلب معركة ناعمة تخاض بأدوات جديدة، لكنها لا تزال تمس أعمق ما فيه: حريته في التفكير، وقدرته على الاختيار، وسعيه الدائم إلى معنى يليق بكرامته الإنسانية.
قد يهمك ايضاً
عاجل: تحركات دبلوماسية واقتصادية مكثفة لقيادات الدولة ( لقاءات دولية وإصلاحات داخلية في عدةمحافظات)
خوارزميات تشعر بك.. هل تجاوز الذكاء الاصطناعي اختبار الوعي العاطفي؟
كيف يصنع المؤثرون وعينا في عصر الخوارزميات؟
تسريبات صوتية تكشف اطلاع نتنياهو على كل شيء قبل هجوم 7 أكتوبر
"التحقيقات الفدرالي" يدهم منزل بولتون ويؤكد "لا أحد فوق القانون"
انتحار جندي إسرائيلي بعد عودته من غزة
ابتكار مادة تسرّع نمو العظام المكسورة
لتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب: كم مقدار المشي اليومي المطلوب؟
نبوءة فناء إسرائيل.. لوحة أثرية ومسلسل أمريكى توقعا مشهد النهاية على يد مصر
ماذا نعرف عن "الاتفاقيات الإبراهيمية" وتأثيرها في منطقة الشرق الأوسط؟
جميع حقوق النشر محفوظة لموقع اخبار الكويت الاخباري©2025